الثلاثاء 2026-09-29 02:53 ص
☰

هندسة الموقف.. "حين يتحدث الأردن إلى العالم"

ل
جانب من خطاب جلالة الملك
 
08:57 م

الوكيل الإخباري- كتب: موسى الزول

اضافة اعلان

 

في عالم اختلطت فيه هيبة القانون بهيبة الأقوياء، حتى باتت العدالة تُقاس أحياناً بوزن صاحبها، وقف الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة، لا ليضيف كلمة إلى ضجيج الكلمات، بل ليعيد إلى الكلمة شيئاً من وظيفتها الأولى: 
أن تقول الحقيقة حين يصبح الصمت مصلحة، 
وأن تضع المسؤولية أمام من يحاولون تأجيلها حتى ينهار معناها.

كان يتحدث دون ورقة يتكئ عليها، 
ودون شاشة تستدعي عباراته؛ 
يتحدث كما يتحدث من يعرف أن القضية التي يحملها 
لم تبدأ مع إعداد الخطاب، 
وأن فلسطين ليست موضوعاً طارئاً في ذاكرة ملك، 
بل جرحاً تاريخياً لا تسمح له المسؤولية أن يندمل فوق الظلم.

وهنا لا تكمن الدلالة في غياب الورق وحده، بل في حضور ما هو أعمق منه: 
تماسك الفكرة في صاحبها، حتى لا تعود الكلمة شيئاً يُقرأ، بل شيئاً يُستحضر من عمق الوعي.

تلك ليست مهارة إلقاء فحسب؛ 

إنها صورة رجل دولة يعرف أن بعض المواقف لا تحتمل لغة مستعارة، لأنها لا تستقيم إلا حين ينطق بها صاحبها كاملاً؛
وعياً، وإيماناً، ومسؤولية…

وحين تحدث الملك عن غزة، لم يكن يصف حجارة سقطت فوق حجارة، 
ولا أرقاماً تتكاثر في نشرات الأخبار؛ 
كان يضع أمام العالم مأساة الإنسان حين يصبح جسده أضعف من أن يحميه القانون، وبيته أضيق من أن يتسع لحقه في الحياة…
فالتدمير ليس نهاية للمبنى وحده؛ أحياناً يكون محاولة لهدم الذاكرة التي يسكنها، واقتلاع الشاهد الذي يقول إن هنا شعباً عاش، وحلم، وانتظر أن يتحول حقه إلى دولة.

وحين كشف تلازم التدمير في غزة والضم الفعلي للأراضي في الضفة الغربية، لم يكن يجمع بين حدثين في جملة سياسية؛ 
بل كان يقرأ مسارين يلتقيان عند غاية واحدة: محو الوجود الفلسطيني، لا من المكان وحده، بل من إمكان المستقبل.
فما يُهدم في غزة هو عمران الحياة، 
وما يُقتطع في الضفة هو جغرافيا الدولة؛ 
وبين الهدم والاقتطاع يجري اختبار قدرة العالم على التمييز بين السلام الذي يُبنى على الحق، والسلام الذي يُطلب من المظلوم أن يدفع ثمنه.
ومن هنا، يصبح التهجير القسري أكثر من جريمة اقتلاع؛ يصبح محاولة لإعادة ترتيب التاريخ بعد إخلاء أصحابه، كأن الأرض يمكن أن تفقد ذاكرتها بمجرد أن يُدفع أهلها بعيداً عنها.

لكن السؤال الذي حمله الملك إلى المنبر لم يكن عن فلسطين وحدها، بل عن العالم الذي ينظر إليها.
أيُّ معنى يبقى للقانون الدولي حين يُطلب من الضعيف أن ينحني أمامه، ثم يُستثنى منه القوي؟
وأيُّ عدالةٍ هذه التي ترفع ميزانها في وجه دول، ثم تتردد حين يكون الطرف الآخر محمياً بثقل السياسة والتحالفات؟

حين يصبح القانون انتقائياً، لا يفقد القانون هيبته وحدها؛ بل يفقد العالم إحدى آخر الحجج التي تمنعه من العودة إلى شريعة الغاب.
فالعدالة التي تُجزّأ بحسب هوية الخصم لا تعود عدالة، والقانون الذي يتوقف عند أبواب الأقوياء يتحول من حصن للحقوق إلى ديكور في مسرح القوة.

وهنا تتجلى أهمية أن يكون المتحدث ملك الأردن؛ لا لأنه يملك منصة أعلى من غيره، بل لأنه يقف في نقطة من الجغرافيا لا تسمح له برفاهية النظر إلى الحرائق باعتبارها بعيدة.
فالأردن يعرف أن ما يُترك بلا مساءلة في فلسطين، قد يجد صداه في سوريا، وأن انتهاك سيادة دولة اليوم قد يصبح غداً سابقة تُختبر بها سيادة دول أخرى.
وحين حذّر الملك من تجاهل الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا، لم يكن يوسّع دائرة الخطاب من باب الاستطراد؛ كان يضع إصبعه على طبيعة الخطر: 
أن يتحول الإفلات من العقاب إلى سياسة، 
وأن يصبح الصمت الدولي شريكاً في تمديد عمر الفوضى...
فالإقليم لا يعيش أزماته في غرف منفصلة؛ ما ينهار في زاوية منه قد يسحب من بقية البناء قدرتها على التماسك.

ومن فلسطين إلى الأردن، لا يحتاج الملك إلى استعارة لغة التهديد كي يكون حازماً…

حين يتحدث عن الحدود الشمالية والأمن المائي، فإنه لا يرسم خطوطاً على خارطة فحسب؛ بل يذكّر بأن للدول حقاً في أن تنام داخل حدودها دون أن يتحول جوارها إلى مصدر قلق دائم، 
وأن السيادة ليست كلمةً تُستدعى في البيانات، بل مسؤولية تُحمى حين تضطرب الموازين.

الأردن لا يطلب من أحد أن يمنحه أمناً مستعاراً؛ 
إنه يذكّر بأن أمنه ليس فائضاً يمكن أن يُستهلك في حسابات الآخرين.

وفي القدس، يتخذ الموقف معنى آخر.
فهناك، حيث لا تفصل الحجارة عن الذاكرة إلا مسافة التاريخ، 
وحيث تتجاور المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة لا تزال تختبر ضمير العالم، 
تحمل الوصاية الهاشمية معنى يتجاوز المراسم: مسؤولية صون هوية المدينة، وحماية مقدساتها، والدفاع عن حقها في ألا تتحول إلى غنيمة في صراع القوة.

أما "الأونروا"، فليست مجرد عنوان للمساعدات؛ إنها تذكير بأن "اللاجئ الفلسطيني" ليس حالة إنسانية عابرة، 
وأن ما طال أمده لا يفقد حقه، 
وأن تحويل المأساة إلى ملف إغاثي دائم لا يعفي العالم من أصل القضية.

هكذا تتضح هندسة الموقف في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني.

إنها ليست هندسة عبارات، بل هندسة روابط:

غزة ليست وحدها؛ فالدمار فيها يتصل بمستقبل الدولة الفلسطينية.
والضفة ليست وحدها؛ فالضم فيها يتصل بمشروع إفراغ الأرض من إمكان الحل.
وفلسطين ليست وحدها؛ فالقانون الذي يُنتقص فيها يترك ظلاله على النظام الدولي كله.
والقدس ليست وحدها؛ فالمساس بهويتها يمس ذاكرة دينية وتاريخية تتجاوز حدود المكان.
والأردن ليس بعيداً عن كل ذلك؛ لأنه يدرك أن سلام الإقليم لا يُبنى فوق جراح يُطلب منها أن تصمت.

وهنا تكمن قوة الملك في أنه ؛ لا يكتفي بأن يرى الأحداث، بل يبحث عن البنية التي تنتجها؛ 
ولا يكتفي بأن يصف الخطر، بل يربطه بمقدماته ونتائجه؛ 
ولا يتحدث عن السلام باعتباره أمنيةً جميلة، بل باعتباره نظاماً من العدالة والحقوق والالتزامات.

ذلك هو الفرق بين خطاب يمر في القاعة، وخطاب يترك وراءه سؤالاً لا يغادرها.
فالملك عبدالله الثاني لم يكن في ذلك المنبر مجرد ناقل لقلق الأردن، 
بل كان يضع القلق في سياقه، 
ويمنح الموقف لغته، 
ويذكّر العالم بأن الدبلوماسية لا تعني ترويض الحقيقة حتى تفقد أسنانها.

وفي زمن تتسع فيه المسافة بين ما يُقال وما يُفعل، كان صوته يقول إن الدولة التي تعرف ثوابتها لا تحتاج إلى الصراخ كي تثبت حضورها، 
وإن الهدوء حين يستند إلى وضوح الرؤية قد يكون أشد وقعاً من الضجيج.

تلك هي "هندسة الموقف": 
أن تعرف أين تقف، ولماذا تقف، وما الذي لا يجوز أن يتزحزح تحت ضغط اللحظة.

وحين يتحدث الأردن بلسان ملكه، فإنه لا يطلب امتيازاً من العدالة، ولا استثناءً من القانون؛ بل يضع العالم أمام مرآته:
- إما أن يكون القانون قاعدةً للجميع، أو أن تتحول القوة إلى قانون.
- وإما أن يكون السلام طريقاً إلى الحقوق، أو أن يصبح اسماً آخر لإدارة الظلم.
- وإما أن يدرك العالم أن اقتلاع شعب من مستقبله لا يصنع استقراراً، أو أن يواصل بناء الهدوء فوق أرضٍ تتحرك تحتها أسباب الانفجار.

أما الملك، فقد قال ما ينبغي أن يُقال…

وبقي على العالم أن يجيب عن السؤال الذي لا تنفع في مواجهته البلاغة وحدها:

كم مرة يستطيع الضمير الدولي أن يرى الحقيقة كاملة، ثم يتصرف كأنه لم يرَ شيئاً؟

 
 


gnews

أحدث الأخبار



 
 






الأكثر مشاهدة