الثلاثاء 2026-09-29 02:53 ص
☰

ماذا لو صمتت أقلام الكتّاب؟

ب
تعبيرية
 
08:49 م

الوكيل الإخباري- أماني عودات

 

اضافة اعلان

 ماذا لو استيقظنا ذات صباح، ولم يكتب أحد؟ لا رواية جديدة، ولا قصيدة، ولا مقال في صحيفة، ولا قصة قصيرة يكتبها أحدهم في غرفة هادئة بعدما يعجز عن النوم، يوم واحد فقط؛ ربما لن ينتبه أحد في البداية، ستفتح المخابز أبوابها، وستتحرك الحافلات في الشوارع، وستزدحم المقاهي، وستصل الأخبار تباعًا إلى هواتفنا، وسيتحدث السياسيون، وسيجادل الناس، وستمتلئ الشاشات بالكلمات، وستستمر الحياة كأن شيئًا لم يحدث، لكن شيئًا ما سيكون ناقصًا، شيئًا لا نراه بسهولة ولا نعرف قيمته إلا عندما نفتقده.

لن يكون هناك من يتوقف عند ما يحدث، ويقول ببساطة: هذا حدث، وهذا الشخص عاشه.

فالكاتب لا يستطيع أن يغيّر ما يحدث، ولا أن يعيد من رحل، لكنه يستطيع أن يكتب عنهم، عن وجوههم وأصواتهم والأشياء الصغيرة التي تركوها خلفهم، وربما لهذا نكتب، حتى لا تمر بعض الحكايات من حياتنا ثم تختفي وكأنها لم تكن.

من منا لم يفقد شخصًا كان يظن أنه سيتذكر كل شيء عنه؟ صوته، ضحكته، طريقته في الكلام، الجملة التي كان يكررها، وحتى الأشياء الصغيرة التي لم نكن نظن يومًا أننا سننساها، ثم تمر السنوات وفجأة نكتشف أننا نسينا، وهكذا يعمل الزمن، لا يأخذ منا الأشياء دفعة واحدة، بل يأخذها بالتقسيط، تفصيلًا بعد تفصيل، والكتابة، في أحد وجوهها، محاولة لتأجيل هذا النسيان، أن نضع شيئًا من حياتنا على الورق قبل أن تأتي الأيام وتمحوه.

ربما لهذا كان الإنسان منذ زمن بعيد يحاول أن يترك شيئًا منه وراءه، رسم على الحجر، وكتب اسمه، وسجّل ما عاشه بطريقته، كأنه كان يخشى أن يأتي يوم تختفي فيه كل هذه الأشياء ولا يبقى منها شيء، وربما كان يكفيه أن تبقى تلك العلامة الصغيرة شاهدة على أنه مرّ من هنا، وأن حياته لم تختفِ كلها مع رحيله، وتغيرت الوسائل منذ ذلك الوقت، صار لدينا الورق، ثم الكتب، ثم الصحف، ثم الشاشات، لكن الرغبة نفسها لم تتغير، نكتب لأننا لا نريد لما عشناه أن يمر وكأنه لم يحدث.

لو صمت الكتّاب يومًا، فلن تتوقف الحياة من حولنا، سنذهب إلى أعمالنا، ونفتح هواتفنا، ونقرأ الأخبار، ونتحدث عن كل شيء، ثم ينتهي اليوم كما تنتهي الأيام، لكن ربما، في وسط كل هذا، سنفتقد شيئًا لم نكن نعرف أننا نحتاجه، شخصًا يتوقف عند حكاية عابرة، أو وجه مرّ بنا، أو لحظة صغيرة كادت أن تضيع، ويكتب عنها قبل أن يبتلعها النسيان.

الكلام من حولنا لم يعد قليلًا، نسمع الأخبار طوال اليوم، ونقرأ آراء الناس، ونرى الصور والتعليقات والرسائل، وكل واحد تقريبًا لديه ما يقوله، لكن من يستمع؟ ومن يتوقف قليلًا قبل أن ينتقل إلى الخبر التالي؟ ومن يسأل عن الإنسان الموجود خلف الصورة؟ قد يخبرنا خبر قصير أن رجلًا فقد منزله، لكن الخبر، مهما كان دقيقًا، لا يستطيع وحده أن يخبرنا ماذا يعني أن يعود ذلك الرجل إلى المكان الذي كان بيتًا، ثم يقف أمامه ولا يجد الباب الذي كان يفتحه كل مساء، وقد نقرأ أن أمًا فقدت ابنها، لكن سطرًا في نشرة الأخبار لا يستطيع أن يحمل صوته حين كان يناديها، ولا الكرسي الذي بقي فارغًا في البيت، ولا ذلك الجزء من حياتها الذي غاب معه.

هنا يأتي الأدب.


ليس لكي ينافس الخبر، وإنما لكي يقول شيئًا آخر، فالخبر يخبرنا بما حدث، أما الأدب فيحاول أن يقترب من الإنسان الذي عاشه، أن نعرف من كان، ماذا أحب، ماذا كان يخاف، ومن كان ينتظره، فالخبر قد يقول: مات رجل، أما الكاتب فيسأل عن حياته، عن الأشياء التي أحبها، وعن الذين سيشعرون بغيابه.

وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل وظائف الأدب، أن يجعلنا نتوقف قليلًا أمام الإنسان الذي قد ننساه ونحن نقرأ الخبر، فخلف كل خبر إنسان له حكاية، له من يحبهم، وأشياء صغيرة عاشها ولا يعرفها عنه أحد.

الكاتب، في أفضل حالاته، ليس شخصًا يمتلك الحقيقة، إنه شخص يحاول أن يرى، يرى عامل النظافة الذي نعبر بجانبه كل صباح دون أن نعرف اسمه، ويرى العجوز الذي يجلس وحده في المقعد نفسه، ويرى الأم التي تضحك مع أطفالها بينما تخفي تعبًا لا يعرفه أحد، ويرى شابًا يبدو سعيدًا أمام أصدقائه ثم يعود إلى غرفته ليلًا ولا يعرف إلى أين يذهب.

قد تبدو هذه التفاصيل عادية، لكن الحياة نفسها، في معظمها، عادية، ليست سلسلة من الأحداث الكبيرة التي تستحق العناوين، إنها أيام عابرة، ووجوه نلتقي بها، وأحاديث قصيرة، وأشياء صغيرة لا نعرف قيمتها إلا بعد أن تصبح ذكرى، وهنا تأتي الكتابة، أن تمنح هذه الأشياء فرصة أخرى كي تُرى.

لهذا أخشى أحيانًا من زمننا الحالي، ليس لأننا توقفنا عن الكتابة، بل لأننا نكتب كثيرًا وننسى كثيرًا، نكتب بسرعة، نقرأ بسرعة، نغضب بسرعة، وننتقل بسرعة إلى شيء آخر، وكل شيء من حولنا يدفعنا إلى الخبر التالي قبل أن نمنح الخبر السابق فرصة لأن يصل إلى داخلنا.

في مثل هذا الزمن، ربما تصبح الكتابة الهادئة شيئًا نحتاجه أكثر من أي وقت مضى، أن نتوقف قليلًا وسط كل هذا الكلام، وننظر إلى ما يحدث من حولنا دون استعجال، وأن نحاول أن نفهم قبل أن نحكم، وأن نتذكر أن الإنسان الذي نراه في خبر عابر ليس مجرد صورة ستختفي بعد ساعات، بل شخص له حياة كاملة، له من يحبهم ويخاف عليهم، وله أشياء ربما لن يعرفها أحد، وراء كل خبر إنسان، وراء كل إنسان حياة، وراء كل حياة أشياء لا يعرفها أحد إلا صاحبها.

وحين ينتهي يوم الصمت المتخيّل، وتعود أقلام الكتّاب إلى أوراقها، ربما لن يتغير العالم كثيرًا، لن تتوقف الحروب لأننا كتبنا عنها، ولن يعود الغائبون لأننا حفظنا أسماءهم، لكن شيئًا آخر سيحدث، سيبقى هناك شاهد.

شخص يقول إن هذه الحياة مرت من هنا، وإن هؤلاء الناس كانوا هنا، وإن ما أحبوه، وما فقدوه، وما خافوا منه، لم يكن بلا قيمة، قد يكتب أحدهم نصًا لا يقرأه إلا بضعة أشخاص، وقد يكتب آخر قصيدة تمر دون ضجيج، وقد ينشر ثالث مقالًا لا يغير رأي أحد، ومع ذلك، لا تكون الكتابة قد ذهبت سدى، فبعض الكلمات لا تُقاس قيمتها بعدد الذين قرؤوها، وإنما بالإنسان الذي وجد نفسه فيها.

ربما لهذا نكتب، لأن الكتابة تمنحنا فرصة لأن نقول ما نعجز عن قوله أحيانًا، وأن نترك شيئًا صغيرًا منا على الورق، شيئًا قد يبقى حتى بعد أن نغيب، وربما، في عالم يزداد كلامًا كل يوم، تصبح مهمة الكاتب أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يعرف ما الذي يستحق أن يبقى.

 
 


gnews

أحدث الأخبار



 
 






الأكثر مشاهدة